ابن الجوزي

216

صفة الصفوة

نزل بساحتهم بياتا من عقوبة اللّه عزّ وجل فأصبح كثير منهم في ديارهم جاثمين وأصبح الباقون ينظرون في آثار نقمة وزوال نعمة ومساكن خاوية فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم وعبرة لمن يخشى ، وأصبحتم من بعدهم في أجل منقوص ودينا مقبوضة في زمان قد ولى عفوه وذهب رخاؤه فلم تبق منه إلا حمة شر وصبابة « 1 » كدر ، وأهاويل عبر ، وعقوبات غير وأرسال « 2 » فتن ، وتتابع زلازل ورذالة خلف بهم ظهر الفساد في البرّ والبحر ، فلا تكونوا أشباها لمن خدعه الأمل وغر بطول الأجل وتبلّغ بالأماني . نسأل اللّه أن يجعلنا وإياكم ممن وعي نذره وانتهى ، وعقل سرّاه فمهد لنفسه . عن موسى بن أعين قال : قال لي الأوزاعي : يا أبا سعيد كنا نمزح ونضحك فأما إذ صرنا يهتدى بنا ما أرى يسعنا التبسم . بشر بن الوليد قال : رأيت الأوزاعي كأنه أعمى من الخشوع . عبد الملك بن محمد قال : كان الأوزاعي لا يكلم أحدا بعد صلاة الفجر حتى يذكر اللّه فإن كلمه أحد أجابه . أحمد بن أبي الحواري قال : بلغني أن نصرانيا أهدى إلى الأوزاعي جرّة عسل وقال له : يا أبا عمرو ، تكتب إلى وإلي بعلبك ، فقال : إن شئت رددت الجرة وكتبت لك وإلا قبلت الجرّة ولم نكتب لك . قال : فردّ الجرة وكتب له فوضع عنه ثلاثين دينارا . عن أبي أيوب الزيادي ، عن الأوزاعي . قال : العافية عشرة أجزاء ، تسعة منها صمت ، وجزء منها الهرب من الناس . مروان بن محمد قال : قال الأوزاعي : من أطال قيام الليل هوّن عليه موقفه يوم القيامة . قال أحمد : قال لي مروان : ما أحسب الأوزاعي أخذه إلا من هذه الآية : وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا إلى قوله يَوْماً ثَقِيلًا [ سورة الإنسان آية 26 - 27 ] .

--> ( 1 ) الحمة السم والصبابة البقية . ( 2 ) أي جماعات .